المقاطعة ليست برنامج عمل والكنيست ليست مجلسنا الوطني – بقلم فادي شبيطة

2019 04 06
2019 04 07

يحتدم النقاش مؤخرًا حول جدوى التصويت للقوائم العربية أو للدقة، القوائم المناهضة للصهيونية في انتخابات الكنيست. قبل الخوض في هذا النقاش لا بد أن نعترف بأنه يدور في سياق غريب بخصوصيته. بقية فلسطينية باقية من شعب هُجر وسلبت أرضه لتوطين ملايين المهاجرين اليهود عليها في دولة عرّفت نفسها كدولة اليهود. يشارك المواطنون عادة في الانتخابات لتحديد الطريقة التي تدار فيها “دولتهم” ويجتهدون لتحسين ادائها. في حالتنا، نشارك بالانتخابات معلنين رفضنا للدولة برمتها ومطالبين بتفكيكها وبنائها من جديد وليس اصلاحها وتحسين ادائها.

عشرات السنوات من المواطنة في دولة استعمرت وطننا وهجرت شعبنا. لكن الحياة تستمر دائما ويجد الناس طريقهم للتعامل مع أي وضع. واضح أن مواطنة الفلسطيني في اسرائيل لا يمكن لها أن تكتمل ولا يمكن للمساواة المدنية أن تتحقق طالما لم يكن هناك حل عادل يصلح الغبن الذي حل بالفلسطينيين، كل الفلسطينيين، نتيجة لاقامة اسرائيل.

شكل شعار “القومي واليومي” بوصلة هامة بنضالنا في الداخل منذ النكبة. هو شعار مقتضب يلخص العلاقة المباشرة بين نضالنا القومي التحرري وبين قضايا الناس الحياتية اليومية. ليس بالإمكان تنظيم وتجنيد الجمهور لنضاله القومي دون التعامل مع احتياجات الحياة اليومية التي توفر له عناصر القوة والبقاء، كما ليس بالإمكان تحصيل “المساواة المدنية الكاملة” دون تتويج نضالنا القومي بحل عادل يفكك منظومة الاستعمار وينصف الشعب الفلسطيني.

علينا أن نعي باننا نعيش في اطار نظام استعماري مع درجة محسنة على شكل مواطنة. درجة محسنة مقارنة بأبناء شعبنا في الضفة وغزة والقدس الشرقية. لنا هوية زرقاء وجواز سفر ولهم لون آخر بدون جواز سفر.

لنا قانون مدني اسرائيلي ولهم قانون عسكري اسرائيلي. هذا التشخيص له تبعات من ناحية تعاملنا مع النظام من الداخل. نحن جزء من هذا النظام الذي تتداخل معه كل مناحي حياتنا.

نتعلم في الجامعات الاسرائيلية، مدارسنا تعلم منهاج الوزارة، نعمل في سوق العمل الاسرائيلي ونصبو للتقدم فيه، نبني البنى التحتية، ندفع الضرائب لخزينة الدولة، نعمل في القطاع العام.

موضوع ترشح أحزابنا للكنيست هو امتداد لهذا التداخل. نعم، الكنيست حلبة، لا مجال لإحداث تغيير جوهري في القضايا الوطنية المركزية من خلال العمل البرلماني وحده، حتى ان أدخل العرب عشرين عضواً موحدين في قائمة مشتركة! نعم تستغل اسرائيل وجودنا في الكنيست لتبييض صورتها وليدعي نظام استعماري الديموقراطية. ذلك صحيح أيضا عند نجاح أي فلسطيني محليا وعالميا بمجال الطب أو التكنولوجيا أو غيرها. اذن لماذا الذهاب الى الكنيست؟ طرح هذا السؤال، الاجابة عليه وشرح الموقف بشكل يحترم عقل الجمهور، واجب على كل الأحزاب والتيارات بما فيها التيارات الداعية للمقاطعة. للأسف، معظم النقاش والاجوبة المطروحة تتسم بالشعبوية أو التسطيح الممل.

من جانب الداعين الى التصويت، أجوبة كدحر اليمين أو نفخ الانجازات البرلمانية أو التخويف من عنصريي اليمين لا تقنع أحدا. أجوبة المقاطعين عن مبدأ (وليس الداعين الى معاقبة الأحزاب) المتلخصة بكونهم أصحاب الموقف النظيف المقاوم والمزاودة المتصلبة على أي شيء هي “مراهقة” في أحسن الأحوال.

كل حزب، حركة شعبية أو تيار منظم واسع يحتاج الى هيكلية تنظيمية والى موارد مالية ومعنوية تحافظ على وجوده ليعمل. لا تحرر فلسطين بالشعارات الرومانسية أو العنتريات والمزاودة الفارغة بل بطرح البدائل العملية والمنطقية. البدائل التي بإمكانها العمل على “القومي واليومي” بالتوازي وبنفس طويل وتفكير استراتيجي يجند أكبر عدد من الناس لدعم مشروعنا التحرري. الذهاب الى الكنيست في هذا السياق هو أداة متاحة بالامكان استخدامها. تاريخيا، حسمت معظم قيادات شعبنا أمرها باتجاه جدوى استخدام هذه الأداة، بدءا بالحزب الشيوعي والجبهة وصولا الى تعددية اليوم. استخدام هذه الأداة له محدودياته ويجب أن لا يُحمل أكثر من ما يَحمل. ليست الكنيست مجلسنا الوطني ولا العمل البرلماني بوابة تحررنا. من شأن العمل البرلماني المساهمة بمراكمة الانجازات الصغيرة في الطريق الى الهدف التحرري وليس أكثر. رفع نسبة الأكاديميين، رفع حصة العرب من ميزانيات الدولة، التشغيل، قضايا الأرض والمسكن وأمور حياتية كثيرة أخرى هي بالغة الأهمية لتحصين وتقوية مجتمعنا. بالتوازي يتلازم ذلك مع خطاب توعوي واضح بالقضايا القومية الوطنية من خلال استخدام هذا المنبر لاسماع صوتنا لمجتمعنا، للمجتمع اليهودي وللعالم. جانب آخر مهم ولا يتم ذكره عادة هو جانب استغلال قانون تمويل الأحزاب. تمويل الأحزاب في وضعنا الراهن هو مصدر مالي ضروري لممارسة الحياة السياسية في إطار تنظيم قُطرِي له كوادر وفروع. من حقنا استخدام هذه الميزانيات التي ساهمنا بأكثر منها بكثير لخزينة الدولة.

اتفهم الاحباط الذي يشعر به البعض من العمل السياسي خصوصا بعد تجربة المشتركة وفشلها في ادارة ازماتها. كان من الأفضل أن تنجح أحزابنا في تشكيل المشتركة وفي ادارة أزمة التناوب بشكل أفضل. كان من الأفضل أن تنجح المشتركة ببناء نفسها كقائمة مشتركة حقا وببناء استراتيجية عمل يلتزم بها الجميع. لم يحصل ذلك وآمل أن تستخلص العبر ويتحسن الأداء لاحقا. مع ذلك، المشكلة المركزية برأيي في مكان آخر تماماً.

عودة الى محدوديات العمل البرلماني والى أن الكنيست ليست مجلسنا الوطني، المشكلة المركزية تتمثل بأن الكنيست أصبحت واجهة كل شيء ومحور آمالنا وتطلعاتنا واحباطاتنا. بأنه يبدو أن لا حياة وحراكاً سياسيا جديا خارج الكنيست (الا من رحَم ربي). لدينا مشكلة بمشاركة واشراك الناس في العمل السياسي.

لدينا مشكلة بضعف مؤسساتنا التمثيلية كشعب- لجنة المتابعة ولجنة الرؤساء وما حولها. لو كانت لدينا مؤسسات وطنية فاعلة وقوية لرأينا نقاشاً ومعنويات من نوع آخر اليوم. نحن أقلية قومية مضطهدة ولكنها تملك الكثير من عناصر القوة المادية والبشرية. لنتخيل بأننا نجحنا ببناء الثقة بمؤسساتنا التمثيلية وأصبح بضع عشرات الآلاف منا يتبرعون فقط ب 50 شاقلا شهريا. بأن لجنة المتابعة أصبحت جسما فيه طاقم واسع من أصحاب الاختصاصات، مركز مرافعة دولي، مركز أبحاث، نقابة عمالية وطاقم عمل شعبي ميداني. بأنها أصبحت مجلسا وطنيا يهز الدولة بقراراته وأفعاله. هذا ممكن ومن مسؤولية الجميع العمل عليه بما في ذلك الأحزاب الممثلة وغير الممثلة برلمانياً. هذا هو مركز النقاش وهنا يجب أن تتركز الجهود. قد يأتي وقت تتخذ فيه قيادات الجماهير الفلسطينية في الداخل قرارًا بمقاطعة البرلمان لأن الظروف تتطلب ذلك (بشكل مدروس وليس كردة فعل أو فشة غل) وهذا يتطلب أن نكون جاهزين بمؤسسات قوية خارج البرلمان.

لا يمكننا السماح لأنفسنا بالذهاب راغبين الى الفراغ في هذه الظروف، آملين أن ينتج الفراغ بقدرة قادر وضعًا أفضل. سمعت في أكثر من فرصة ادعاء كون المشاركة بالانتخابات العائق في وجه بناء حراك شعبي واطار وطني واسع ومنظم. يعطيك بعض دعاة المقاطعة الانطباع بأننا لو فقط قاطعنا الآن لصحونا على شمس مشرقة، سماء زرقاء وملايين من اللاجئين الفلسطينيين يبنون بيوتهم من جديد بين شقائق النعمان. يدعو آخرون الى المقاطعة لمعاقبة الأحزاب لمرة واحدة لتحسن أداءها في المرة القادمة. لن تكون هناك مرة قادمة ان فككنا أحزابنا الآن بدون بديل فالهدم أسرع وأسهل بكثير من البناء.

المقاطعة مبدئيا هي طرح مشروع جدا. مع ذلك فاني لا أستطيع فهم بذل كل هذه الطاقات لتحويل مركز النقاش الى أن مشكلة ادائنا السياسي كشعب يتلخص بالمشاركة بانتخابات الكنيست. لماذا لا توجه كل هذه الطاقات السلبية الى بناء بديل واقناع الجمهور به؟ لبناء تيار شعبي ومجلس وطني ذي ثقل خارج البرلمان. خلاصة الحديث، لنعمل على استغلال كل عناصر قوتنا وتأثيرنا- صوّت، شارك، أثر على قول وفعل حزبك ولا تنسَ أن هناك حياة بحاجتك لتبنى خارج الكنيست.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الشامل الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

اغلق النافذة